العالم لم يعد يتحرك على إيقاع المنطق أو العقل.الكل يركض في سباق متزامن، وكأن هناك ساعة واحدة تدق في كل العواصم، لكن أحدهم يحرك العقارب على هواه.حاملة طائرات أمريكية تتقدم نحو حدود إيران،وأوروبا تنحرف فجأة نحو الصين،وبكين ترد بمناورات تحاصر تايوان وكأنها تقول: “جربوا أن توقفونا”.
وفي الخلفيةالذهب يقفز نحو خمسة آلاف دولار،والفضة تتسابق مع الزمن.
السؤال الحقيقي ليس: ماذا يحدث؟ بل: من يفهم الصورة كاملة قبل أن تُفرض عليه الحقائق؟
البداية لم تكن في إيران، ولا في تايوان… بل في مكان لا يتوقعه أحد: كندا.
رئيس وزرائها يجلس في بكين، يوقع صفقات بمليارات الدولارات، بينما الحليف التاريخي، الولايات المتحدة، يهددها بخنق الاقتصاد بالكامل برسوم 100٪. منطقياً، كان على كندا الانحناء.
لكن الحقيقة كانت أقوى: كندا رفعت رأسها وقالت للعالم: “الصين شريك يعتمد عليه، ووقت الهيمنة الأمريكية انتهى”.
ولأول مرة منذ أكثر من قرن، بدأ الجيش الكندي يفكر في مواجهة الحليف القديم، وكأن التاريخ أعاد نفسه بطريقة عبثية.أوروبا لم تنتظر طويلًا.
فرنسا تبتسم للصين،ألمانيا ترتب الزيارات الرسمية،وبريطانيا تُقيم أكبر سفارة صينية في لندن، لتعلن دون كلمات: المظلة الأمريكية لم تعد تعمل.
كل هذا لم يكن بمحض الصدفة،
ولا نتيجة لسوء تقدير أمريكي.
واشنطن تعلم جيدًا ما تفعل، لكنها وصلت إلى نقطة الإنهاك الاستراتيجي.
وثيقة الدفاع الأمريكية لعام 2026 تقولها بصراحة مخفية:
أمريكا لم تعد شرطي العالم،الشرق الأوسط لم يعد أولوية،
وأوروبا، إسرائيل، يجب أن تتعلم الاعتماد على نفسها.
لكن تراجع الإمبراطوريات دائمًا يولد فوضى…
وهنا، على الخريطة، تظهر إيران: الحلقة الأضعف، وموضع الرسالة الأقوى.حاملة الطائرات إبراهام لينكولن تتقدم، المدمّرات والقاذفات تنتشر، تحذيرات إسرائيلية عاجلة، الرحلات الجوية تُلغى، والتصريحات الرسمية تقول: “الوضع حساس جدًا”.
إيران ترد بخرائط لأهداف داخل إسرائيل، وتهدد الحاملة نفسها… وكأنها تقول: “جربوا مرة أخرى”.لكن الهدف الحقيقي ليس إيران،
بل الصعود الصيني في الشرق الأوسط، عبر طاقة حيوية وشراكات استراتيجية.وفي الوقت ذاته، الصين تختبر حدود واشنطن حول تايوان، بمناورات لم تشهدها المنطقة من قبل.
رسالة واضحة:
إما تراجع، أو مواجهة انفجار عالمي.
العالم لا يعيش أزمة عابرة،
بل مرحلة انتقال عنيف في ميزان القوى:
قوة عظمى تتراجع،
قوة صاعدة تختبر الحدود،
وحلفاء يبحثون عن مظلة جديدة قبل أن تنهار القديمة.
الذهب والفضة لا تكذبان.
المال حين يهرب، يكشف ما يرفض السياسي قوله.
الغموض في الأحداث ليس بريئًا.
الأساطيل تتحرك، التحالفات تتبدل، والبنوك تهرب، بينما الإعلام يقول: “لا تقلقوا”.
هذا ليس تطمينًا، بل إهانة لعقلك.
المشهد كله ليس صراع خير وشر،
ولا ديمقراطية ضد استبداد.
إنه صراع على الطاقة، على سلاسل الإمداد، وعلى من سيكتب قواعد اللعبة القادمة.
أمريكا تدير انسحابًا مدروسًا،
أوروبا تبحث عن سقف جديد،
الصين تختبر وتضغط،
وإيران تتحمل رسالة النار الدولية.
ومن لا يرى هذا اليوم،
سيفهم لاحقًا حين يصبح الواقع صاعقًا أكثر من كل ما تُخبّره وسائل الإعلام.
العالم يُعاد تشكيله، والصراع على السلطة والموارد صار بلا قناع… ومن يفهم فقط، سيعرف من يفوز قبل الجميع.
بقلم فتحي الشبلي
