تأتي زيارة كبير مستشاري الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مسعد بولس، إلى العاصمة الليبية طرابلس، في توقيت بالغ الحساسية، سواء على مستوى الداخل الليبي أو في سياق التحولات الإقليمية والدولية المحيطة بالملف الليبي.
فالزيارة، التي تزامنت مع مشاركته في فعاليات قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد، ولقائه بعدد من المسؤولين الليبيين، وعلى رأسهم وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية اللواء عبدالسلام الزوبي، لا يمكن قراءتها باعتبارها خطوة بروتوكولية عابرة، بل تحمل في طياتها رسائل سياسية وأمنية واقتصادية متعددة الأبعاد.
سياسيًا، تعكس الزيارة رغبة أمريكية واضحة في إعادة تنشيط الحضور الأمريكي في ليبيا بعد سنوات من الانكفاء النسبي وترك مساحات واسعة لقوى إقليمية ودولية منافسة.
إدارة ترامب، التي تميل إلى المقاربة البراغماتية القائمة على المصالح المباشرة، تبدو حريصة على إعادة التموضع في ليبيا باعتبارها دولة محورية في شمال إفريقيا، وبوابة جغرافية وأمنية مهمة نحو الساحل الإفريقي والبحر المتوسط.
كما أن التواصل المباشر مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس يعكس اعترافًا عمليًا بدورها، ولو مؤقتًا، في إدارة المرحلة الحالية، ومحاولة التأثير في مسار التسوية السياسية من داخل المؤسسات القائمة بدل الرهان على بدائل غير مستقرة.
أما على الصعيد العسكري والأمني، فإن لقاء بولس مع وكيل وزارة الدفاع الليبية، وما أُعلن عنه من بحث سبل تعزيز التعاون العسكري، ودعم برامج التدريب وبناء القدرات، يعكس توجهًا أمريكيًا لإعادة تفعيل قنوات التنسيق مع المؤسسة العسكرية الليبية الرسمية، خاصة عبر القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم). هذا التعاون لا يهدف فقط إلى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بل يتجاوز ذلك إلى دعم مشروع بناء مؤسسة عسكرية موحدة تعمل ضمن إطار الدولة، بما يحد من حالة التشرذم الأمني ويقلص نفوذ الجماعات المسلحة غير النظامية.
وفي هذا السياق، يمكن فهم التحرك الأمريكي كجزء من محاولة أوسع لموازنة النفوذ العسكري الأجنبي في ليبيا، خاصة الروسي والتركي، دون الانخراط المباشر في صراع مفتوح.
اقتصاديًا، لا تقل زيارة بولس أهمية عن بعدها السياسي والأمني، إذ جاءت على هامش قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد، وهو ما يعكس اهتمامًا أمريكيًا متزايدًا بقطاع الطاقة الليبي، الذي يمثل أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في إفريقيا. الولايات المتحدة، في ظل التحولات العالمية في أسواق الطاقة، تنظر إلى ليبيا كشريك محتمل يمكن أن يستهم في استقرار الإمدادات وتنويع مصادر الطاقة، سواء لأوروبا أو للأسواق العالمية. كما أن تشجيع الاستثمارات الأمريكية في هذا القطاع يُنظر إليه كأداة لتعزيز الاستقرار الداخلي، عبر دعم الاقتصاد الليبي وربط المصالح الاقتصادية بالاستقرار السياسي والأمني.
ومن زاوية جيوسياسية أوسع، تحمل الزيارة رسائل موجهة إلى أطراف دولية وإقليمية فاعلة في الساحة الليبية. فالولايات المتحدة تسعى إلى التأكيد على أنها لا تزال لاعبًا أساسيًا في معادلة ليبيا، وأنها لن تترك الساحة خالية لمنافسين استراتيجيين، خاصة في ظل تصاعد التنافس الدولي في إفريقيا.
كما أن إعادة تنشيط العلاقات مع طرابلس قد تكون خطوة أولى ضمن استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة ترتيب النفوذ في شمال إفريقيا والساحل، في ظل التغيرات الجارية في علاقات واشنطن مع عدد من دول المنطقة.
يمكن القول إن زيارة مسعد بولس إلى ليبيا تمثل تحركًا أمريكيًا مدروسًا متعدد الأبعاد، يجمع بين السياسة والأمن والاقتصاد، ويعكس رغبة في إعادة الإمساك بخيوط التأثير في ملف ليبي طالما اتسم بالتعقيد والتشابك. ورغم أن نتائج هذه الزيارة ستظل مرهونة بمدى قدرتها على التحول إلى خطوات عملية ملموسة، فإنها تؤشر بوضوح إلى أن ليبيا عادت مجددًا إلى دائرة الاهتمام الأمريكي، ليس فقط كملف أمني، بل كجزء من معادلات إقليمية ودولية أوسع تتجاوز حدودها الجغرافية.
شمس اليوم نيوز
