وصف المدون

خبر عاجل

خبر عاجل : هجوم إسرائيلي أمريكي على إيران _

أخبار عاجلة






ما يحدث في ليبيا اليوم لم يعد يُمكن اختزاله في أزمات عابرة أو أخطاء إدارية ظرفية يمكن تبريرها أو تجاوزها مع مرور الوقت، بل تحوّل إلى واقع يومي قاسٍ يثقل كاهل المواطن في أدق تفاصيل حياته، ويكشف عن خلل عميق في بنية الدولة وإدارتها.

قطاع الصحة، الذي يُفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن حياة الإنسان، يكاد يكون مشلولًا بالكامل. مستشفيات تفتقر إلى أبسط التجهيزات، نقص حاد ومستمر في الأدوية، إهمال إداري واضح، ومريض يُترك لمصيره إن لم يكن قادرًا على تحمّل كلفة العلاج في الخارج، وكأن الحق في العلاج لم يعد حقًا أصيلًا، بل امتيازًا مرتبطًا بالقدرة المادية أو العلاقات.

أما التعليم، فهو يُستنزف بصمت أخطر. مدارس بلا مستوى حقيقي، مناهج ضعيفة ومتهالكة، بيئة تعليمية طاردة، ومعلم مهمَّش ماديًا ومعنويًا. والنتيجة أجيال تنشأ بلا وعي نقدي ولا أدوات معرفية تمكّنها من بناء المستقبل، وكأن تجهيل المجتمع أصبح سياسة غير مُعلنة، لكنها فعّالة في إضعاف الدولة على المدى البعيد.

وفي قطاع المواصلات، يتجلى الانهيار بشكل صارخ. طرق متهالكة تحصد الأرواح، غياب شبه كامل للنقل العام، وسفر داخلي وخارجي تحوّل إلى معاناة يومية بفعل سوء التنظيم، وكثرة التعقيدات، وغياب التخطيط. في المقابل، تُهدر أموال طائلة على سفرات رسمية ومشاركات خارجية لا تنعكس أي فائدة ملموسة منها على المواطن أو على الوطن.

البنوك بدورها تعيش حالة شلل شبه تام. سيولة نادرة، طوابير طويلة، ومواطن يُلاحق راتبه وكأنه يتسوّل حقه، في مشهد عبثي داخل بلد يُصنَّف من أغنى دول المنطقة بثرواته النفطية وموارده الطبيعية.

وكل هذا يحدث في ليبيا؛ بلد الذهب والبترول، بلد الإمكانيات الهائلة، بلد أطول شاطئ على البحر الأبيض المتوسط، بلد كان من المفترض أن يكون نموذجًا للاستقرار والتنمية في المنطقة، لا مثالًا حيًا للمعاناة والفشل.

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: لماذا يحدث كل هذا؟ هل هو فقط سوء إدارة واستهتار وغياب كفاءة؟ام إهمال متعمّد وتراكم مصالح ضيقة؟

أم أن هناك مخططًا أكبر يُنفَّذ ببطء لإضعاف الدولة، وإبقائها منهكة وغير قادرة على النهوض؟

هل ما نراه اليوم فوضى داخلية محضة، أم جزء من لعبة مصالح إقليمية ودولية ترى في ليبيا بلدًا يجب أن يبقى ضعيفًا ومفككًا ليسهل التحكم فيه واستنزافه؟

الأكثر إيلامًا أن كل ذلك يجري في ظل صمت مخيف، وغياب شبه كامل للمحاسبة، ولا مبالاة من مسؤولين ووزارات وسفراء يُفترض أنهم حماة للوطن، لا عبئًا إضافيًا عليه.ليبيا لا ينقصها المال، ولا الموارد، ولا الموقع الاستراتيجي.

ما ينقصها هو الضمير، والإرادة السياسية الحقيقية، والإحساس الصادق بالمسؤولية الوطنية.

وطن بهذه الثروات لا ينهار صدفة، بل يُترك لينزف.وإذا لم ينتبه أبناؤه اليوم إلى ما يحدث، فإن الغد سيكون أقسى،والتاريخ — كما هو دائمًا — لن يرحم من صمت، أو تواطأ، أو استهتر بمصير وطن كامل.


بقلم الإعلامية فوزية احمد الصالحين الهوني




  

Back to top button