وصف المدون

خبر عاجل

خبر عاجل : هجوم إسرائيلي أمريكي على إيران _

أخبار عاجلة


 


في الرابع والعشرين من ديسمبر من كل عام، تعود الذاكرة الوطنية الليبية إلى واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ البلاد، يوم نالت ليبيا استقلالها الرسمي عام 1951، بعد مسار طويل ومعقد من الكفاح ضد الاستعمار، والمواجهة السياسية مع مشاريع الوصاية والتقسيم، لتولد الدولة الليبية الحديثة ككيان مستقل ذي سيادة، قائم على الشرعية الدستورية والإرادة الوطنية الجامعة. لم يكن ذلك اليوم مجرد إعلان سياسي، بل خلاصة تضحيات أجيال متعاقبة آمنت بأن الوطن لا يُسترد إلا بإرادة أهله، ولا يُبنى إلا بوحدة أبنائه.

جاء الاستقلال الليبي في سياق دولي بالغ التعقيد، حيث تحولت البلاد، بفعل موقعها الاستراتيجي وثرواتها الكامنة، إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى، خاصة عقب الحرب العالمية الثانية. غير أن الليبيين، الذين خبروا مرارة الاستعمار الإيطالي منذ مطلع القرن العشرين، أدركوا مبكراً خطورة الانتقال من احتلال مباشر إلى وصاية دولية مقنّعة، فانتقل نضالهم من ساحات القتال إلى ميادين السياسة والدبلوماسية، مستندين إلى رصيد تاريخي من المقاومة المسلحة التي قادها المجاهدون في مختلف الأقاليم.

فمن الشرق، حيث سطّر عمر المختار ورفاقه ملاحم الصمود في الجبل الأخضر، إلى الغرب الذي شهد حراكاً وطنياً قادته شخصيات بارزة أمثال سليمان الباروني ورمضان السويحلي، ومن الجنوب الذي لم يكن بمنأى عن فعل المقاومة، تشكل وعي وطني جمع الليبيين على هدف واحد: التحرر الكامل وبناء دولة موحدة. 

ومع خروج إيطاليا مهزومة من ليبيا، برزت محاولات جديدة للهيمنة، كان أخطرها مشروع “بيفن – سيفورزا”، الذي سعى إلى فرض الوصاية وتقسيم البلاد، غير أن وحدة الموقف الليبي داخل أروقة الأمم المتحدة أفشلت تلك المخططات.

وجاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 289 عام 1949 تتويجاً لهذا الجهد، إذ اعترف بحق ليبيا في الاستقلال، ومهّد الطريق لقيام دولة ليبية ذات سيادة في موعد أقصاه مطلع عام 1952. ولم يكن تنفيذ القرار شكلياً، بل تَمثّل في عملية سياسية دقيقة، شملت تشكيل جمعية تأسيسية تمثل الأقاليم الثلاثة بالتساوي، وصياغة دستور البلاد، واختيار نظام الحكم، في تجربة توافقية نادرة في المنطقة آنذاك. وفي الرابع والعشرين من ديسمبر 1951، أعلن الملك إدريس السنوسي استقلال ليبيا، مؤكداً التزام الدولة الوليدة بالدستور، وسيادة القانون، وبناء مؤسسات حديثة قادرة على إدارة شؤون البلاد.

وقد مثّلت سنوات الحكم الملكي مرحلة تأسيس حقيقية للدولة، حيث عرفت ليبيا آنذاك حياة دستورية منتظمة، وانتخابات تشريعية، وفصلاً نسبياً بين السلطات، في وقت كانت فيه كثير من دول المنطقة لا تزال ترزح تحت الحكم الاستعماري أو الانقلابات العسكرية. ورغم التحديات الاقتصادية وضعف الإمكانيات، نجحت الدولة الليبية في ترسيخ مفاهيم الشرعية والتمثيل السياسي، قبل أن تُعدّل بنيتها الدستورية عام 1963 بإلغاء النظام الاتحادي وإعلان الدولة الموحدة.

اليوم، وبعد أربعة وسبعين عاماً على ذلك الإعلان التاريخي، تحل ذكرى الاستقلال في ظل واقع سياسي شديد التعقيد، حيث تعاني البلاد من انقسام مؤسسي، وتعثر متواصل للمسار الانتخابي، واستمرار المراحل الانتقالية دون أفق واضح. ويجد الليبيون أنفسهم وهم يستحضرون لحظة التأسيس الوطني، أمام مشهد يعكس تراجعاً حاداً في مفهوم الدولة ومكانتها، مقارنة بما حلم به الآباء المؤسسون.

وقد زاد من قتامة المشهد هذا العام إعلان الحداد العام، على خلفية حادث تحطم الطائرة الذي أودى بحياة رئيس أركان حكومة الوحدة الوطنية الفريق أول محمد الحداد وعدد من القيادات العسكرية، في حادث أعاد إلى الواجهة هشاشة الواقع الأمني والسياسي، وألقى بظلاله الثقيلة على مناسبة كان يُفترض أن تكون جامعة ومشرقة.

ومع ذلك، تبقى ذكرى الاستقلال أكثر من مجرد محطة زمنية أو احتفال رمزي، فهي تذكير دائم بأن الدولة الليبية وُلدت من رحم التوافق لا الغلبة، ومن منطق الشراكة لا الإقصاء، وأن استعادتها اليوم لا يمكن أن تتم إلا بالعودة إلى ذات القيم التي أنتجت الاستقلال: وحدة الإرادة، والشرعية الدستورية، والإيمان بالدولة كمشروع جامع لكل الليبيين. وبين ماضٍ صُنع بتضحيات جسام، وحاضر مثقل بالأزمات، يظل الاستقلال سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الليبيين على تحويل الذاكرة إلى فعل، والتاريخ إلى بوصلة تعيد توجيه المسار نحو دولة تستحق تضحيات مؤسسيها.


شمس اليوم نيوز 

Back to top button