وصف المدون

خبر عاجل

خبر عاجل : هجوم إسرائيلي أمريكي على إيران _

أخبار عاجلة





أثار الإعلان الصادر عمّا يُسمّى بـ«جمهورية القبائل الفيدرالية» جملة من التساؤلات حول دلالاته الحقيقية وحدود تأثيره، لا سيما في ظل الصمت الرسمي الجزائري الذي رافق الحدث. هذا الصمت، في ظاهره، قد يُقرأ بوصفه تجاهلاً متعمّداً، غير أنّه في عمقه يعكس – على الأرجح – تقديراً سيادياً محسوباً لطبيعة الخطوة وسقفها الواقعي، أكثر مما يعكس فراغاً في الموقف أو ارتباكاً في التعاطي.


أولاً: الإعلان في ميزان الدولة الجزائرية


من المنظور الرسمي الجزائري، يندرج هذا الإعلان ضمن أنشطة حركة «الماك» التي صُنّفت، منذ سنوات، تنظيماً إرهابياً. وبناءً على هذا التصنيف القانوني، فإنّ أي خطاب أو إعلان صادر عنها يُنظر إليه باعتباره فاقداً للشرعية السياسية والقانونية، ولا يرقى إلى مستوى الحدث الذي يستدعي رداً رسمياً أو نقاشاً مؤسساتياً. هذا المنطق يفسّر، إلى حدّ بعيد، الامتناع عن التعليق، انطلاقاً من قاعدة مفادها أنّ الدولة لا تمنح وزناً سياسياً لكيانات تعتبرها خارجة عن القانون.


يُضاف إلى ذلك أنّ التجربة السابقة، ولا سيما إعلان «حكومة مؤقتة لمنطقة القبائل» سنة 2010، لم تفضِ إلى أي تحوّل فعلي في موازين القوى أو في الجغرافيا السياسية داخل الجزائر. فقد بقي ذلك الإعلان حبيس الفضاء الإعلامي والافتراضي، دون امتداد تنظيمي فعّال أو حضور ميداني قادر على فرض وقائع جديدة. ومن ثمّ، يبدو أنّ التقدير الرسمي يعتبر أنّ ما جرى لا يتجاوز، في أحسن الأحوال، خطوة دعائية ذات طابع رمزي، موجّهة أساساً للاستهلاك الخارجي.


ثانياً: حدود الطابع الرمزي وسؤال التوقيت


غير أنّ الاكتفاء بتوصيف الإعلان كحدث إعلامي صرف قد ينطوي على قدر من التبسيط. فالمسألة لا تتعلّق فقط بمضمون الإعلان أو بقدرة الجهة المعلِنة على تجسيده عملياً، بل أيضاً بالسياق الذي أُعلن فيه. إذ يأتي هذا التطور في لحظة إقليمية ودولية تتّسم بدرجة عالية من السيولة الاستراتيجية، حيث تعاد صياغة مفاهيم السيادة، والهويات، وحقوق الأقليات، في ضوء صراعات مفتوحة وحروب لم تُحسم مآلاتها بعد.

في هذا الإطار، يبرز بوضوح عنوان «اليوم التالي» للحرب على غزة، وهو العنوان الذي تحوّل إلى مظلّة سياسية تُناقش تحتها تصوّرات إعادة ترتيب الإقليم. وتعمل إسرائيل، في هذا السياق، على تقديم نفسها فاعلاً مركزياً في صياغة هذه المرحلة، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل أيضاً عبر توظيف ملفات الهويات والأقليات كأدوات ضغط وإعادة تشكّل جيوسياسي.


ثالثاً: ورقة الأقليات كأداة نفوذ إقليمي


التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا، تحت ذريعة «حماية الدروز»، تمثّل نموذجاً واضحاً لهذا التوجّه. فهذه المقاربة لا تنفصل عن رؤية أوسع تقوم على التعامل مع الأقليات باعتبارها مدخلاً لإعادة رسم خرائط النفوذ، وإضعاف الدول الوطنية المركزية، أو على الأقل إعادة هندسة علاقتها بمكوّناتها الداخلية.


وفي السياق نفسه، لا يمكن إغفال المؤتمر الإقليمي للأقليات الذي احتضنته إسرائيل خلال شهر أكتوبر الماضي، والذي حملت مخرجاته إشارات صريحة إلى السعي نحو «تحريك» هذا الملف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ورغم تغليف هذه الطروحات بعناوين جذّابة من قبيل «حق تقرير المصير» و«حماية التنوع الثقافي»، فإنّ القراءة السياسية المتأنّية تكشف عن رهانات أمنية واستراتيجية أوسع، تتجاوز الخطاب الحقوقي المعلن.


رابعاً: علاقة «الماك» بإسرائيل وسؤال التوظيف الخارجي

ضمن هذا المشهد، تكتسب العلاقة بين حركة «الماك» والدولة العبرية دلالة خاصة. فهذه العلاقة ليست جديدة ولا موضع التباس، خصوصاً بعد الزيارة العلنية التي قام بها زعيم الحركة فرحات مهني إلى تل أبيب سنة 2012، وما رافقها من رسائل سياسية وإعلامية هدفت إلى إدراج المسألة القبائلية ضمن شبكات دعم خارجية.

هذا الانفتاح العلني على إسرائيل لا يمكن فصله عن مقاربات إقليمية ترى في تفكيك الدول الوطنية، أو إعادة ترتيبها على أسس إثنية وهوياتية، مدخلاً لإعادة هندسة المنطقة بما يخدم توازنات قوى جديدة. وفي هذا الإطار، تتحوّل قضايا الأقليات من مطالب ثقافية أو حقوقية مشروعة، إلى أوراق تفاوض ونفوذ في صراعات تتجاوز الفاعلين المحليين.


خامساً: بين الاستقرار الداخلي ومخاطر التدويل


من هنا، يمكن القول إنّ إعلان «جمهورية القبائل»، مهما بدا محدود الأثر ميدانياً، يطرح تحدياً من نوع مختلف. فهو لا يهدّد الاستقرار الداخلي المباشر بقدر ما يفتح الباب أمام محاولات تدويل المسألة، وربطها بأجندات خارجية في لحظة إقليمية دقيقة. وهذا ما يفسّر، على الأرجح، حرص الدولة الجزائرية على التعامل مع الملف بمنطق أمني-سيادي هادئ، يوازن بين عدم تضخيم الحدث إعلامياً، وعدم إغفال خلفياته الإقليمية.

في المحصّلة، لا يمكن قراءة إعلان «جمهورية القبائل» خارج سياقه الأوسع. فهو، من جهة، يفتقر إلى المقومات الواقعية التي تسمح بتحوّله إلى كيان فعلي، ومن جهة أخرى، يندرج ضمن مناخ إقليمي ودولي يُعاد فيه توظيف خطاب الأقليات وحق تقرير المصير كأدوات في صراعات النفوذ. وبين هذين المستويين، يبقى التحدي الأساسي أمام الدولة الجزائرية هو تحصين جبهتها الداخلية، سياسياً وتنموياً وثقافياً، بما يُفرغ مثل هذه المحاولات من قدرتها على الاختراق، ويحول دون تحويل التنوّع الداخلي إلى مدخل لإعادة رسم الخرائط من الخارج.

Back to top button