حلّت الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة التونسية في 17 ديسمبر 2025، حاملة معها ثقل حدث تأسيسي غيّر مسار التاريخ المعاصر للبلاد، حين خرجت الاحتجاجات من سيدي بوزيد لتكسر جدار الصمت والخوف، وتفتح الطريق أمام تحوّل سياسي واجتماعي غير مسبوق انتهى بسقوط النظام القائم في 14 جانفي 2011. لم تكن تلك اللحظة مجرد انفجار غضب اجتماعي عابر، بل شكّلت قطيعة عميقة مع منظومة كاملة من التهميش والاستبداد، وأسست لوعي جديد قائم على فكرة الكرامة والسيادة الشعبية.
انبثقت الثورة من واقع اجتماعي واقتصادي مختلّ، تميّز بتفاوت جهوي صارخ، وبطالة مرتفعة، وانسداد في الأفق السياسي، حيث ضُيّقت الحريات العامة وغابت آليات التعبير السلمي. ورغم طابعها المحلي في بداياتها، سرعان ما اكتسبت الحركة طابعًا وطنيًا شاملًا، كاشفة عن عمق الغضب الاجتماعي وامتداده خارج الأطر التقليدية للتنظيم السياسي. وقد منحها هذا الزخم الشعبي شرعية واسعة، لكنه في الوقت نفسه جعل مرحلة ما بعد إسقاط النظام أكثر تعقيدًا، في ظل غياب مشروع جامع قادر على تحويل المطالب إلى سياسات مستدامة.
خلال السنوات التي تلت 2011، شهدت تونس تحولات سياسية ومؤسسية كبرى، من انتخابات تعددية إلى صياغة دستور جديد، وتوسيع نسبي في هامش الحريات. غير أن هذه المكاسب لم تترافق مع تحسن ملموس في الأوضاع المعيشية، إذ ظلت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية عنوانًا ثابتًا للمشهد العام، ما عمّق الإحساس بخيبة الأمل لدى شرائح واسعة من المجتمع. وأظهر هذا المسار أن الانتقال السياسي، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق العدالة الاجتماعية التي كانت في صلب المطالب الأولى للثورة.
بعد خمسة عشر عامًا، لا يزال يوم 17 ديسمبر يحتفظ بشحنة رمزية قوية، تتجاوز كونه تاريخًا في الذاكرة الوطنية ليصبح مرآة تعكس التوتر بين الأمل والواقع. فهو يستحضر قيم الحرية والكرامة من جهة، ويعيد طرح أسئلة صعبة حول ما تحقق وما تعثر من جهة أخرى. هذا التوتر يعكس صعوبة بناء سردية وطنية موحّدة حول الثورة، في ظل تعدد القراءات السياسية والاجتماعية لمعناها ومآلاتها.
في سياق إحياء هذه الذكرى، أعلن رئيس الجمهورية قيس سعيّد عن عفو رئاسي شمل الإفراج عن عدد من المعتقلين ومنح الحرية المشروطة لآخرين، في خطوة قُدّمت باعتبارها ذات دلالة رمزية قوية. ويكتسب هذا القرار معناه من ارتباطه بمناسبة تأسيسية، لكنه يثير في الوقت ذاته نقاشًا أوسع حول وضع الحريات العامة، وحدود السلطة، وإمكانيات المصالحة مع المبادئ التي رفعتها الثورة في بداياتها.
بين الذاكرة الجماعية والتساؤلات المفتوحة حول المستقبل، تستمر ذكرى 17 ديسمبر في تجسيد مسار تونسي لم يصل بعد إلى توازن مستدام. فقد أعادت الثورة تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي بشكل عميق، دون أن تُغلق باب الأسئلة الكبرى المتعلقة بالعدالة والتنمية والحوكمة. وربما تكمن أهميتها اليوم في كونها حدثًا حيًا، لا يُختزل في الماضي، بل يظل حاضرًا في النقاش العام، يذكّر بأن مطالب الكرامة والحرية ليست لحظة عابرة، بل مسارًا طويلًا لم يُستكمل بعد.
شمس اليوم نيوز
