وصف المدون

أخبار عاجلة




بين ركام المدن الأوكرانية والمواقف المتصلبة على طاولات الكبار، تدخل الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع دون مؤشرات حقيقية على قرب نهايتها. فالصراع الذي بدأ بعملية عسكرية روسية خاطفة سرعان ما تحول إلى حرب شاملة، أصبح اليوم بمثابة معركة وجودية بالنسبة لموسكو، وصراع سيادة وهوية بالنسبة لكييف، وتحدٍ استراتيجي غير مسبوق للغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

رغم ضخ مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية والمالية الغربية لأوكرانيا، ما زالت القوات الأوكرانية عاجزة عن تحقيق اختراق ميداني حاسم، في وقت تستفيد فيه روسيا من استنزاف طويل الأمد يعزز قبضتها على أجزاء واسعة من الشرق والجنوب الأوكراني. هذا الجمود على الأرض لا يعني غياب الدينامية، بل يعكس تحول الحرب إلى مواجهة استنزاف متبادلة، ترهق الطرفين وتُربك موازين القوى على الصعيد الدولي.

أمام هذا المشهد، تتعدد السيناريوهات المحتملة لمآلات الحرب. أحد أبرز السيناريوهات هو استمرار حالة الجمود العسكري، حيث تستمر الاشتباكات على خطوط التماس دون تغيير كبير في الخارطة الجغرافية، مع اعتماد روسيا على التفوق الجوي والتكتيكات الصاروخية، واعتماد أوكرانيا على دعم الغرب لتعويض نقصها في المعدات الثقيلة والذخائر. غير أن هذا السيناريو قد يطيل أمد النزاع إلى أجل غير مسمى، دون أفق واضح للحسم أو التسوية.

في المقابل، ثمة احتمال أن تنجح روسيا، بفعل الزمن وتآكل الدعم الغربي لكييف، في تحقيق تقدم تدريجي يفرض وقائع جديدة على الأرض، لا سيما في حال أفضت الانتخابات الأمريكية أو الأزمات الأوروبية إلى تراجع زخم الدعم لأوكرانيا. مثل هذا السيناريو، إن تحقق، سيعد نكسة استراتيجية للغرب، وقد يفتح شهية موسكو لمزيد من التوسع أو الفرض السياسي عبر شروط قاسية للتفاوض.

على الطرف الآخر، لا يُستبعد أن تنجح أوكرانيا، بدعم غربي نوعي وغير مسبوق، في تنفيذ هجمات مضادة تُغير قواعد الاشتباك، وتدفع روسيا إلى التراجع أو إعادة التموقع. إلا أن هذا السيناريو محفوف بمخاطر جسيمة، من بينها لجوء موسكو إلى تصعيد غير تقليدي، قد يشمل تهديدات نووية تكتيكية أو توسيع رقعة الحرب لتشمل دولًا أخرى، مما يفتح الباب على احتمالات أكثر خطورة.

أمام هذه السيناريوهات، تبدو خيارات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي محدودة، لكنها في الوقت نفسه حساسة ومحفوفة بتداعيات استراتيجية. الخيار الأول يتمثل في الاستمرار في الدعم العسكري والاقتصادي الواسع لأوكرانيا، بهدف منع انهيارها والحفاظ على توازن الردع مع روسيا. غير أن هذا الخيار يواجه عقبات داخلية متزايدة، من حيث التكلفة الاقتصادية والسياسية، خاصة مع تصاعد الأصوات الشعبوية والانعزالية في الداخل الأمريكي والأوروبي.

الخيار الثاني يقوم على تشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا، عبر استهداف قطاعات جديدة مثل الطاقة، والتكنولوجيا، والمالية. ورغم فعالية بعض هذه العقوبات، إلا أن موسكو نجحت في امتصاص جزء كبير من آثارها، بفضل شبكة علاقات اقتصادية بديلة مع الصين والهند وإيران ودول الجنوب. بل إن بعض دول أوروبا نفسها بدأت تعاني من ارتدادات هذه العقوبات، في ظل أزمة الطاقة وارتفاع معدلات التضخم.

ثمة خيار ثالث يدعو إلى الدفع نحو تسوية تفاوضية، تقوم على وقف إطلاق نار مشروط وانطلاق مفاوضات سياسية برعاية دولية. غير أن هذا الطرح لا يحظى حاليًا بإجماع، نظرًا لتمسك كييف بسيادتها الكاملة، ورفض موسكو لأي تسوية لا تضمن اعترافًا بسيطرتها على الأراضي التي ضمتها، فضلاً عن فقدان الثقة بين الأطراف المتنازعة.

وتبرز أيضًا مقاربة رابعة، أكثر خطورة، تقوم على التصعيد غير المباشر تجاه روسيا، من خلال توسيع دعم جبهات أخرى تُربك موسكو، أو تعزيز الانتشار العسكري للناتو على حدودها. هذا النهج قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه ينطوي على خطر اندلاع مواجهة أوسع، قد تتجاوز حدود أوكرانيا لتتحول إلى صراع مفتوح بين روسيا والغرب.

المشهد عموما لا يوحي ان الحرب الروسية الأوكرانية في طريقها إلى نهاية قريبة، بل إن تعقيداتها السياسية والعسكرية والاقتصادية تجعل منها صراعًا ممتدًا، تُرهن به العلاقات الدولية، وتُختبر من خلاله توازنات القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين. ومع استمرار عجز الأطراف عن تحقيق انتصار واضح، وتردد المجتمع الدولي في فرض حل سياسي شامل، يبقى العالم مهددًا بانزلاقات خطيرة، تبدأ من أوكرانيا، وقد لا تنتهي عند حدودها.



شمس اليوم نيوز



Back to top button