"قَالَ الأُلَى قَد مَضَوا قَولًا يُصدّقُهُ نَقلٌ وَعَقلٌ وَمَا لِلْحَقّ مِن غِيَر" فماذا قال الأولون يا تُرى؟ قالوا 《الكرامة في الغربة: وطن.. و "الحُقرة" في الوطن: غُربة》 أردت أن اسوق هذا المثال لألفت النظر الى معاناة التونسيين بالخارج في حِلّهم وترحالهم.. ▪︎ في حِلهم في أرض الغربة لا يمكن أن يتصور البعض حجم المعاناة التي يتكبدها المقيم أمام القنصليات التونسية( على الاقل قنصليات باريس التي أعرفها) لاستخراج وثيقة أو تجديد جواز سفر، يوم السبت يوم الراحة الاسبوعية التي من المفروض أن يستغلها التونسي أو جزء منها على الاقل لقضاء شؤون عائلته وتربية ابناءه، يتحول هذا اليوم الى كابوس ، حيث يجد نفسه واقفا منذ الساعات الأولى في طابور لا آخر له امام القنصليات لقضاء شأنا من الشؤون الادارية التي لم يزدها الروتين الإداري الا تعقيدا ومذلة للمواطن.. بل أصبحت كل أيام الاسبوع تقريبا شبيهة بيوم السبت حيث يضطر المواطن الى خصم يوم أو يومين من مرتبه او أيام عطلته السنوية لقضاء شؤونه وشؤون عائلته الادارية، وأحيانا لا يظفر بها، فيعيد الكَرّة والكَرَة..
هذه المعاناة تتفاقم يوما بعد يوم خاصة منذ 2011 وتزداد سوء.. سألت يوما أحد الموظفين عن سبب هذه الفوضى، فقال لي :" الدولة لم تراع ازدياد عدد التونسيين بالخارج وتعمل على تطوير الادارة و زيادة الموظفين لتسهيل الخدمات" .. قد يكون وزارة الشؤون الخارجية والهجرة لا يعنيها هذا الامر او ليس من أولوياتها. ▪︎
أما في ترحالهم، يوم النفرة من الشمال الى الجنوب، حدث و لا حرج عليك، حيث تلتهب أسعار النقل وتختفي الناقلة "الوطنية" في مثل هذه المناسبات (التي اصبحت تحت وطأة النقابات وليس الدولة التونسية)، وإن حضرت فتضيق بالمهاجرين وتذيقهم الهوان ذهابا وإيابا، حتى أصبح التونسي يقول" شعفة وتوبة" لقضاء العطلة في تونس او الرجوع على متن تونس الجوية..
المؤسف وما يحز في النفس ألما وغبنا أن نجد في الوقت الذي يقتني التونسي التذكرة بأثمان خيالية وجنونية تبلغ الالف اورو، نجد السائح الأوروبي الوافد الى بلادنا يتمتع بأثمان أقل من زهيدة تصل الى 250 اورو ذهابا وإيابا وإقامة في نزل فاخر لمدة خمس ليال(واكل شارب جلدو بارد) ..
من معاناة المقيمين بالخارج أيضا، هو القانون العحيب الغريب، قانون اجبارية تسجيل هواتفهم على الشبكة المحلية حتى ولو بقي يوما واحدا.. والا سيجد نفسه في غربة ثانية.. منقطع عن كافة العالم والتواصل مع بقية افراد عائلته...وهو يرى في كل مرة على شاشة هاتفه" لا يمكن لك الاتصال، الهاتف غير مسجل بالشبكة" ولا اعتقد هذا القانون يستهدف السواح الأجانب وانما لا يستهدف الا التونسيين المتهمين مسبقا بالتجارة الموازية من طرف عصابات المال والاعمال والاحتكار.. هكذا حياة صنف من التونسيين يزودون خزينة بلادهم بالعملة الصعبة رغم رداءة الخدمات في الداخل والخارج .. هذا السلوك المهين لأبنائنا في الخارج أصبح يدفعهم الى التوجه الى بلدان أخرى اوربية كتركيا و البرتغال واسبانيا لقضاء عطلهم بأقل التكاليف مع جودة الخدمات وحسن الاستقبال وقمة الراحة والاستمتاع ..
الناشط السياسي محمد علي العماري

