وصف المدون

أخبار عاجلة

 




كتب نقاد القصة القصيرة عن زمانها ومكانها. وإن كان الزمان مسألة طبيعية لا يد للإنسان فيها، فإن المكان غالبا لا يؤثثه غيره. لكنني مع الوقت وجدت أن القصة القصيرة لها زمانها وجغرافيتها. الجغرافيا أوسع من المكان وتتلازم مع حركة المبدع التي باتت مع تطور التكنولوجيا حركة دورية وسريعة ومتصلة حتى وإن كانت من خلال الشاشة والصور.

ففي حين أن الزمن ( التاريخ) يمكن أن يكون كاذبا او مبتورا او مفتعلا او منحولا او متضخما، فإن الجغرافيا لا تكون كذلك. عند زيارتي إلى الأقصر وأسوان اكتشفت حضارة وقفت أمامها مشدوهة وعرفت أن شعب هذه الحضارة لن يهزم، وحين جبت صحاري بلدي ولامست صخور الاكاكوس استوعبت درسا قيما أن هذا البلد وإن قسى حنون، وحين مشيت في غابات كندا الثلجية كان يملأ الرعب قلبي لكنني تغلبت عليه بمسيري المتصل لثلاث سنوات، وحين سبحت في المياة العذبة تيقنت أنني كنت مخطئة حين ظننت أن السباحة لا تكون إلا في المياه المالحة. وفي كل مرة وأنا أرحل وأتجول واراقب واستكشف كنت في الحقيقة أغوث في نفسي وأكتشف ذاتي واتخلص من أعباء كثيرة أثقلت كاهلي وكان القلم هو أداة الخلاص والتعبير عن كل ما رأيته وأراه.

قال لي والدي رحمه الله وكنت اداري خجلي أمامه بعد أن اكتشف محاولاتي في الكتابة.. لا تستعجلي الكتابة.. اقرأي ثم اقرأي ثم اقرأي.. ثم تنهد بشيء من الشك وقال ثم .. اكتبي.

قرأت وقرأت وتأخرت في الكتابة - كما وصف القاص عمر الككلي بدقة.. إنني لم أحبو ولكنني مشيت- وليكن! لكنني اكتشفت أن مصدر الإبداع ليس القراءة فحسب، بل التأمل والنظر والاستكشاف والمغامرة. هي حافة الشمس وهي تغادر شواطيء طرابلس، وهي البحر الملون في هاواي، وهي وشوشة الأشجار والخوف اللذيذ في غابات كندا، وهي ماء الفيروز في شواطيء سردينيا وهي رحلة النيل تشق الغروب المسدلة ستائره، وهي غرابة هافانا وهي تدخن السيجار في يوم قائظ ومن خلفها تصدح خطب فيديل، وهي حضارة الانكا في المكسيك، وهي المدن المغاربية الاندلسية، وجبال الأطلس بتيجانها  الثلجية، ومعاصر تونس الرومانية، وهي معابد الهند المتوارية خوفا من هدمها، وتاج محل الذي انسكب على بلاطه لبن الحب. هي قصص البشر في جغرافيتهم وفي ترحالهم لجغرافيا أخرى.

إذا مصادر الإبداع متعددة فالمبدع كالاسفنج يمتص من حوله ثم يسكبه في اشكال عديدة.

لذا، لا يمكن تحديد الكاتب في حيز مكان ولا أن يكون رهينة الزمان، بل تمتد الكتابة بامتداد جغرافية كوكبنا.. في نخيل سوكنة ومكعبات غدامس وبردى طبرق وقباب وزخارف طرابلس، واسباخ بنغازي ومروج المرج ورمال مصراتة وكهوف الجبل وبيوت الحفر  وواحات الجنوب وعيونه. لا يحد الكاتب مكانا بل يمسح ببصره جغرافيا لا حد لها ولا حيز يسجنها.

وحين توقفنا عن تأمل جغرافيتنا وعن الاحساس بها والارتباط بمعالمها - وهي سبب تميزنا في اختلاط الحضارات وسبب شقائنا كأرض لصراع النفوذ- وحين توقفنا عن حمايتها والذود عنها ، حين اخترنا البيوت الفسيحة دون سقيفة، وبنينا الاسوار الشاهقة بدلا من زراعة اشواك الهندي، وحين اطلت وجوه مدننا دون خصوصية، وحجبنا البحر عن العامة، حينها قطعنا حبلنا السري ظانين بسذاجة انه شريط حريري، وحينها كانت الحرب!

اخترت عنوان الحغرافيا والقصة، فأنا اكتب عن بهلولة والشيخ حمد وفطومة وعواشة وخدوجة وعمي الهاشمي وعن زرزور القصب والخطيفة وعن فوهات البنادق والمجاميع المدججة ، لكنني كتبت عن جورج وباريس وعن الجزر البعيدة وعن طائر الشمس الفلسطيني صاحب العنق البنفسجي وعن ذئاب الغابات التي مرت أمامي دون أن تؤذيني، وعن الذئاب التي لاحقتني ثم ابتعدت بعد أن خبت رائحتي.

ورغم هذه الجغرافيا المتنوعة والمختلفة، ظلت جغرافيا طاغية وبارزة كما ذاك الجبل الكبير في اللوحة، أو الزهر المنثور البارز فيها حتى تكاد تشتم رائحته، وتقاسيم الوجه المحفورة حتى  يخيل لك لمسها، وتعرق اليدين، و الازياء التقليدية، والمقهى المشرع للصيادين مع شقشقة الصباح، والفراريش البيضاء التي تحاذي سور السرايا لتصبح في ضآلتها امامه وردات ياسمين مفتحة، وكل الاطعمة التي اصابني دوار رائحتها، وأغاني الزمزامات بلا مقامات تعتمد على الدربوكة والبنادير،  وأصوات الرجال اثناء تدريجة العريس إلى مخدعه.. و و و تظل تلك الصور تستدعي ذاتها وأنا على جبال عمان وفي وديانها، أو في قصبة مراكش أو على جبال أطلسها، أو في ساحة الثورة بهافانا أو عند رأس الرجاء الصالح أو في شوارع مومباي. مشاهد تعرجات بيتنا الذي تهدر فيه أمواج البحر القريبة ليلا حتى أصبحت ترانيم للنوم، ثم هدوءه صباحا لنصرخ ونحن نطمئن عليه " البحر زويتة" فنشد الرحال اليه أولاد وبنات ونقضي الصيف مبللين فيه.

تتغير الأمكنة ولا تتغير الجغرافيا، أما الزمان فرهين بالذكريات التي تتحكم فيها المشاعر.

اليوم في تونس القريبة جدا من طرابلس والبعيدة جدا عن اتاوا، أرى وجوه الأحبة وأغبط نفسي على حضورهم، منهم من شد الركاب من طرابلس أو خارجها ومنهم من مد في إقامته ليشاركني، ومنهم من سكن تونس.

 اليوم اقول لكم بأن جغرافيا العالم مصدر الهام لي، لكن ذكرياتي في تلك البقعة الغالية، قطعة قلبي حيث يرقد والدي القاص كامل حسن المقهور في سيدي بوكر  وأخي الأصغر الغالي معاوية في سيدي حامد.

وإن كتبت عن ترحالي واحوالي، فرنين الذكريات يصاحبني والأماكن تلاحقني، والمشاهد تتداخل مع غيرها أمامي، والشخوص تسبقني وتستدرجني نحوها أينما رحلت في هذه الجغرافيا الفسيحة، وحضوركم شاهد على هذا الحب.


عزة كامل المقهور


Back to top button