وصف المدون

أخبار عاجلة

 



في مقال له حول الواقع السياسي في تونس بعد 25جويلية والامر 117 الموصوف بنص احتكار الحكم تحدث الاعلامي والمحلل السياسي لطفي الغربي السنوسي  عن استنساخ لتجربة رجل القانون والفيلسوف "كارل شميث" وهذا نص مداخلته:

عندما تتجول في مقولات المفكر الالماني ورجل القانون «كارل شميث» وعندما تنتهي من قراءة كتابه «اللاهوت السياسي» ـ مثلا ـ وبعد تبيان موقفه من الاحزاب ومن الديمقراطية ومن فكرة التعايش والتسامح وبعد الوقوف عند سيرته الشخصية وكيف نظّر لحكم الفرد وصلاحيات القادة والزعماء في الحالات الاستثنائية وحديثه عن السيادة الشعبية نفهم مدى تأثّر الرئيس قيس سعيد بأفكار «كارل شميث» ودرسه السياسي  رغم اختلاف الازمنة والسياقات وبرغم التبدلات الكبرى في التاريخ وفي الجغرافيا ورغم المراجعات النقدية العميقة للادبيات السياسية والفكرية والفلسفية ايضا والتي كان لها تأثير عميق في السياسات الدولية بل كانت سببا في سقوط انظمة وصعود أخرى نتيجة ثورات كانت بمثابة الولادات الجديدة لشعوب وأنظمة.

لا تختلف افكار الألماني كارل شميث  عن أفكار استاذه أو مرجعه فريدريك نيتشه بل يعتبر «شميث» تلميذا نجيبا له أعاد تصفية ذهنه ـ كما يقول أهل الفلسفة ـ من داخل اطروحات نيتشه وخاصة في نقده للفكر الليبرالي وكل خلاصاته وكل قيمه وفي دعوته للتخلي عن الافكار المثلى من قبيل الحق والتسامح والاعتراف بحقوق الاقليات وهو يرى ان المجد «للسادة» وللانسان الخارق او «السوبرمان» الذي أعلى من شأنه في كتابه «هكذا تحدث زرادشت»..


المفكر ورجل القانون الألماني كارل شميث لا يختلف عن نيتشه كثيرا في أفكاره وخاصة في مقولاته المعادية للديمقراطية وللاحزاب السياسية وهو يرى بأن الدولة من حقها ان تدافع عن وجودها القوي بأي شكل وبكل الاساليب المتاحة وهي غير مرغمة على تبرير أفعالها ما دامت من أجل حماية وجودها. ويؤكد «كارل شميث» ان «الرجل الأعلى » أو «صاحب السيادة» له مطلق الصلاحيات لتقرير مصير الدولة باسم الشعب كأن يعلّق القوانين وأن يحلّ البرلمان وأن يعلن عن الحالة الاستثنائية وان يقرر  دستورا جديدا لادارة هذا الاستثناء بما يحوّل مواطنيه الى «كتلة موحدة» لا تأتمر بغير أوامره من أجل سلامتها - بطبيعة الحال - على ان يتولى هذا الحاكم المطلق كما ينظّر له كارل شميث تحقيق السلم الاجتماعي لمواطنيه وتوفير الحد الادنى الأمني والصحي والغذائي.. مع العلم ان هذا «الحاكم الأعلى» صاحب السيادة لا يخضغ الى أي شكل من اشكال الرقابة بما انه «السوبرمان» الذي ستحقق على يديه «النجاة» وهو يعتبر ان الاحزاب السياسية بمثابة «المنغّصات» الخطرة ووجودها هو وجود ارباك للدولة و«لصاحب السيادة».. فالديمقراطية الحقّة لدى هذا المفكر الالماني هي ان يكون «الشعب موحدا» وتحت قيادة سياسية موحدة او قيادة فردية في نظام كلياني قوي وعادل مع شعبه يوفر له الامن والصحة والتعليم والمسكن دون الحاجة الى احزاب او الى برلمانات تهدر طاقاتها في النقاش البزنطي حول قضايا الاقتصاد والسياسة بشكل متعال على «الجماهير الشعبية».


في الواقع لا يمكن اسقاط أفكار «كارل شميث» ـ كاملة ـ على ما يتمثّله الرئيس قيس سعيد في فهمه للسياسة وممارساته على ارض الواقع لكن تأثير «أدب هذا المفكر» واضحة وغير خافية رغم اختلاف السياقات  فكارل شميث بأفكاره وفهمه للسياسة وإعلائه من شأن «القائد الواحد» والحكم  الفردي المطلق الذي لا يمكن ان يخضع للرقابة سواء كانت شعبية او قانونية او دستورية انما كان يسعي للتقرب من «النظام النازي» وكاد ان يحول «هتلر» الى الاه على وجه الارض وقد منحه كل الصلاحيات وكل الشرعية  والمشروعية التي تجعل منه او هي جعلت منه «ذاك الغول» الذي حكم وسيطر على العالم ـ أو كاد ـ بالدم والدمار وحكم شعبه بالحديد والنار..

السياقات مختلفة ـ كما اشرنا ـ لكن دورات الزمن الكبرى انما تعيد الافكار ـ ايضا ـ حتى وان كانت في غير مجراها الطبيعي (الاصلي) وبالتالي فإن تقليب هذه الافكار وإعادة صياغتها بما يجعل منها وليدة اللحظة» ممكن وهذا يحدث ـ عادة - مع الافكار الكبرى حتى وان كانت من قبيل «الافكار المتطرفة» وهو ما نتبينه راهنا في اعادة الرئيس قيس سعيد تقليب  افكار «كارل شميث» خارج زمنها وتبدو ـ هنا ـ وهي ماثلة امامنا لكأنها «درس قديم» يعيد انتاج نفسه لكن في سياقات مختلفة تجعل منه درسا هجينا غير مقبول.

قيس سعيد أقدم على حراك 25 جويلية 2021 باسم الشرعية الانتخابية والمشروعية الشعبية... جمّد البرلمان وعلّق اشغاله وقضى ـ تماما ـ على عمل الاحزاب (وهي في حالة عطالة تامة)... قيس سعيد ـ ايضا ـ يكره الحوار ويعتبر الاحزاب عائقا وان الديمقراطية لا تستدعي غير شعب موحد وراء رئيس مطلق اليدين وان خلاص الشعوب لا يجيء من غير سماء هذا الرئيس المطلق صاحب السيادة الكاملة..

قيس سعيد ـ ايضا ـ عطّل الدستور ولم يترك منه غير التوطئة وباب الحريات واستبدله بالامر الرئاسي عدد 117 وهو عبارة عن دستور صغير لادارة المرحلة الاستثنائية.. وعليه ـ كما نرى ـ فإن كل المسار الذي خطه الرئيس قيس سعيد من 25 جويلية 2021 الى حدود هذه اللحظة انما يشبه او لكأنه درس من دروس رجل القانون والمفكر الألماني «كارل سميث» الذي أفنى كل مساره الفكري والفلسفي لأجل الإعلاء من شأن «الحكم الفردي» باسم الشرعية والمشروعية..


هنا على ارض الواقع التونسي نرى اشتباكا بين فلسفة «كارل شميث» ودروسه وممارسات الرئيس قيس سعيد وفهمه للعمل السياسي ونزوعه تجاه «الحكم» ـ بمفرده ـ دون شريك سياسي او مدني او نقابي...


أفكار «كارل سميث» وجدت ارضا قفرا وطرية وسالكة وفارغة ـ تماما ـ وستتحول الى أمر واقع كلما ازداد الفراغ اتّساعا لكن التاريخ علّمنا - أيضا - أن لا شيء يتكرّر إلاّ في شكل مأساة أو مهزلة..


لطفي العربي السنوسي

Back to top button