وصف المدون

أخبار عاجلة

شمس اليوم نيوز:



شرارة الثورة الأولى انطلقت من جسد شباب تونس العنيد، الذي انفجر في وجه نظام الحكم راميا بنفسه في مواجهة الرصاص ردًا على همجية البوليس، وردا أيضا على عجز القوى السًياسية التي ظلت تدًعي الثورة وتحتكرها لعقود طويلة من البطولات المُصطنعة.

ثبّتت حركة الثورة والتغيير التي انطلقت مطلع 2011 حقيقة إفلاس دولة الاستقلال، وإفلاس النظام العربي الرسمي، الذي استندت إليه هذه الدولة المعطوبة منذ نشأتها وفي جيناتها الأولى.

 وفي موجة الثورة الثانية، فرض شباب الجزائر تغيير السلطة وملاحقة الفاسدين. وأطاح شباب السودان بحكم جماعة الإخوان التي دمرت البلد بالجوع والحروب. وفي لبنان والعراق يستمر الشباب مُصمّمًا على إسقاط نظام الطائفية الفاسد. 

 لغاية الآن في جميع دول المنطقة، هناك جيل وُلد من الثورة رافض للقوى السًياسية التقليدية بكل توجهاتها وكل مدارسها. ورافض لتقسيم المجتمعات. ورافض لسياسات السلاح والمليشيات والتدخل الأجنبي. إنه جيل ثقافة الذكاء وثقافة المستقبل. وهذا هو سبب عدم تحمل الأحزاب المُعاقة هذا النمط من الشباب. 

لقد ظل شباب تونس قبل 14 جانفي متهما بصورة نمطية سلبية، بأنه جيل لا مُبالي، ومائع وضعيف، وغير مؤهل لتبني القضايا السياسيَّة الإصلاحيَّة. ثم فاجأ هذا الشباب الجميع، بتحرّك واسع من خارج الأحزاب، نجح في إسقاط نظام بن علي، وأجبر القوى الاجتماعيَّة وعموم المثقفين على الاعتراف بأنَّ جيل الشباب الذي تقدّم جموع المحتجين، وقاد الميادين، ووجه الرأي العام من خلال منصات التواصل الاجتماعي، هو صوت التغيير والأمل، وهو الجيل الأكثر شجاعة وقوة وتأثيرا وأهلية من سابقيه. ولا تزال هذه الصورة راسخة في المجتمع برُمته، باستثناء المجموعات اليسارية المُفلسة التي أصرّت على تهميش شبابها وتحقيره والتنكيل به، وجبره على الفرار من حولها، وفي ظنّها أن ذلك سيمكن قياداتها الأمّية من حصد نتائج الثورة والاحتجاج وتحويلها إلى مناصب صغيرة. ولم يكن بوسع تلك القيادات الرجعية الملوًنة بالأحمر أن ترى في القوى الشبابية سوى خصمًا سياسيًا ينافسها على المنافع. وبناء على ذلك كانت عملية إبعاد الشباب من مناطق صناعة القرار، وإحباط محاولات انتظامه السياسيّ، عملية إجرامية ممنهجة ترقى إلى مرتبة الخيانة.

من المعلوم حسب كل دراسات علم الانتقال، أنه إذا لم تترافق  عملية تحديث المؤسسات على نحو يجعلها قادرة على إدارة الديمقراطية، مع عملية التشبيب والتحديث في مستوى الوعي السياسي داخل الأحزاب، فإن النتيجة تكون أولا ازدهار العنف. وثانيا الاخفاق في دمج الأجيال الجديدة في صناعة الديمقراطية وفق مبدأ ما يسمى التزاوج الجيلي. وثالثا فشل الانتقال الديمقراطيّ.

والحقيقية، لئن كان إقصاء الشباب سلوكا سياسيا أكثر فداحة ووقاحة في أحزاب اليسار منه في أحزاب أخرى. فإنه يظل سلوكا سياسيا عاما في تونس. وهذا ما يفسر رفض جيل الشباب أن يكون مهمّشا، فقام بمعاقبة القوى السياسيّة، والانتقام منها عندما قاطع الانتخابات البرلمانيَّة، وشارك في الانتخابات الرئاسية 2019 ليصعّد رئيسا جديدا من خارج المألوف والمتوقّع، معلنابذلك مسارا جديدا من الرفض العام للقوى التقليدية، وبداية احتلال الشباب لواجهة الأحداث واسترداد ثورته المغدورة.

عزالدين البوغانمي الناشط السياسي

Back to top button