يقف شرق ليبيا على أعتاب مرحلة من الغموض والتوجس الأمني، عقب حادثة اغتيال آمر جهاز الاستخبارات العسكرية التابع لـ«القيادة العامة»، اللواء فوزي المنصوري، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته بمركز مدينة بنغازي في منطقة الهواري. هذه العملية، التي لم يرافقها حتى اللحظة بيان رسمي يُوضح خباياها، تفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات معقدة وتداعيات أمنية وسياسية قد تعيد تشكيل المشهد في المنطقة.

​تكمن أولى وأبرز التداعيات في الرمزية الأمنية والاختراق النوعي؛ فاللواء المنصوري لم يكن مجرد ضابط برتبة رفيعة، بل كان يترأس جهازاً سيادياً يعتمد عليه الهيكل الخارجي والداخلي لـ«القيادة العامة» في التقييم الأمني والمعلوماتي. وقوع العملية في قلب بنغازي وفي منطقة حيوية بالقرب من مسجد السيدة عائشة، يُعد خرقاً أمنياً لاستهداف شخصية محاطة بالحراسة الشديدة والمراقبة الدائمة. هذا الأمر يبعث برسائل مباشرة تشكك في مدى التماسك الأمني داخل المربع الأمني المغلق للقيادة، ويطرح علامات استفهام جادة حول وجود مخترقين داخل الدوائر الضيقة، أو عودة نمط "خلايا الاغتيالات" النائمة للعمل في العمق.

​وعلى الصعيد الداخلي للقيادة العامة، يرى مراقبون أن الاغتيال يغذي حالة من التوجس الشديد والشكوك المتبادلة بين القيادات العسكرية والأمنية. حالة الصمت الرسمي المطبقة، المرفوقة بتسريبات مقاطع الفيديو التي تظهر السيارة وهي تحترق، تشير إلى وجود صدمة وإرباك في التعامل الإعلامي مع الحدث. قد يتسبب هذا الفراغ في فتح الباب لأحكام القبضة الأمنية بصورة أشد شراسة، عبر حملات تمشيط واعتقالات موسعة في بنغازي، وتضييق الخناق على التحركات والتنقلات للتغطية على أي ثغرة أمنية ناتجة عن رحيل قائد الاستخبارات العسكرية.

​أما جيوسياسياً وسياسياً، فإن مثل هذه الاهتزازات في المنظومة الأمنية بالشرق الليبي تضرب السردية المستقرة التي طالما صدرتها «القيادة العامة» للشركاء الدوليين والمحليين بشأن استتباب الأمن المطلق في مناطق سيطرتها. خلط الأوراق هذا قد يدفع أطرافاً خفية، أو مجموعات مسلحة متنافسة، لاستغلال لحظة التشتت وإعادة رسم النفوذ. كما قد يستغل خصوم القيادة العامة في الغرب الليبي الواقعة للتأكيد على هشاشة الوضع الأمني والتنظيمي، مما يضيف مزيداً من التعقيد على العملية السياسية والمساعي الرامية لتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية.

​ الاكيد إن اغتيال اللواء فوزي المنصوري لا يمكن التعاطي معه كحادث فردي أو تجريم عادي، بل هو ضربة في عمق الجهاز العصبي للقيادة العامة. وستعتمد التداعيات النهائية على طبيعة النتائج التي ستسفر عنها التحقيقات -إن أُعلنت- وعلى رد فعل القيادة في تعاملها مع الدائرة الضيقة لمؤسساتها الأمنية؛ فإما أن تتجه الأمور نحو "تطهير وإعادة هيكلة" شاملة للتدارك، أو أن بنغازي ستشهد موجة جديدة من التصفيات والتجاذبات الخفية خلف كواليس المشهد الأمني.


شمس اليوم نيوز